عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

95

معارج التفكر ودقائق التدبر

الأنثى من هذا النوع ، بالجعل الرّبّاني ، في نظام الخلق المتتابع . أمّا بدء اشتقاق خلق حوّاء من آدم عليه السّلام ، فقد جاء التعبير عنه في قول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( النساء / 4 مصحف / 92 نزول ) : يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً . . . ( 1 ) . فبدء خلق الأنثى الأولى كان اشتقاقا من الذّكر الأوّل ، ثمّ سارت السّلالات على أنّ الذّكور تحمل ذرّيّات الإخصاب ذكورها وإناثها ، واقتضى نظام التكوين الرّبّانيّ جعل الذكور يسكنون إلى الإناث أزواجا لهم ، لتكون الإناث محاضن تنبت فيها بزور الذّرّيّة الّتي يزرعها الذكور فيهنّ . ففرّق اللّه عزّ وجلّ بين أصل الخلق ، وبين الجعل بعد الخلق . قول اللّه تعالى : . . . فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( 189 ) فَلَمَّا تَغَشَّاها : يقال لغة : تغشّى الشّيء الشيء ، أي : غطّاه ، وعبارة تَغَشَّاها : كناية مهذّبة عن الجماع . وتغشّي الزّوج الذّكر للزّوج الأنثى هو العمل الطبيعيّ الأحسن لكلّ منهما . أي : فلمّا اتّخذ الأسباب التّزاوجيّة الّتي جعلها اللّه جلّ جلاله في نظام التكوين ، أسبابا للتناسل ، والتكاثر البشريّ . حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً : في هذه العبارة وصف لحالة علوق الجنين أوّل الحمل ، إذ يكون حملا خفيفا جدّا ، لا تحسّ الأنثى به . فَمَرَّتْ بِهِ : أي : فمرّت بهذا الحمل في أيام حملها وهو يتنامى شيئا فشيئا .